محمد بن زكريا الرازي
271
منافع الأغذية ودفع مضارها
ويقدم مع ذلك الأرق « 1 » الأسرع استحالة . فإنه ، في مثل هذه الأحوال ، يجب أن يأكل شيئا من الفواكه والأغذية التي ليست سريعة الاستحالة ، كالكمثرى أو السفرجل أو بعض البوارد المعمولة بالسماق أو الحصرم ، لئلا يسرع الفساد إلى الطعام المقدم قبل انهضام المؤخر . العوارض « 2 » النفسية والغمّ أيضا إذا حدث بعد الطعام أفسد الهضم بإكمانه الحرارة الغريزية ، ومنعه من استيفاء التنفس والنوم . وكذلك الخوف . وأما الغيظ والغضب فيفسده ، بإخراجه الحرارة الغريزية إلى نحو الحرارة الغريبة ، وإشعاله إياها ، وكثرة تحريك البدن واضطرابه ، ونشر الغذاء وتزعزعه عن موضعه قبل استيلاء الهضم عليه . ما لا يوافق المغتذي من طعام والطعام أيضا ، وإن كان موصوفا بجودة الغذاء ولم يكن موافقا للمغتذي في وقته ذلك ، لم يتولد عنه غذاء موافق ، بل ضار . كما لا يولد لحوم الحملان وصفر البيض في المحمومين كيلوسا موافقا لهم ، وكما لا يولد التين والجوز في المحرورين دما موافقا لهم ، ولا ماء الشعير والرائب في المفلوجين . وفي الأغذية المشهورة برداءة الخلط ، كالجبن والنمكسود ونحو ذلك ، ما يوافق بدنا من الأبدان لخاصية فيها أو في ذلك البدن . ومن الأغذية المشهورة بجودة الخلط ، كلحوم الطيهوج والدجاج وصفر البيض ، ما يضرّ بدنا من الأبدان لخاصية فيها أو في ذلك البدن . ولا سبيل إلى معرفة هذا قياسا واستخراجا . ولذلك ينبغي أن يتعرف الآكل ما
--> ( 1 ) الأرق : السهاد . نقول : أرق أرقا واثرق : أي ذهب عنه النوم في الليل فهو أرق . وتأتي الأرق بسكون الراء : جنس حشرات من فصيلة الأرقيات : جسمها لزج تتجمع على جذوع الأشجار وتمتص ماهيتها تسميها العامة « المن » واليرقان والأرقان والأرّاق : آفة تصيب الزرع والناس ، يصفر أو يسود معها اللون ، تعرفها العامة ( بداء الصفيرة ) والأريقي : نبات ذو أزهار وردية . ( 2 ) العوارض النفسية : هي كل ما يعتري النفس من هم وغم وكدر ، أو يثير فيها شيئا من غيظ أو غضب أو اضطراب .